محمود محمود الغراب
51
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
تحقيق في النظر والرؤية لجمال الحق تعالى : إن اللّه تعالى جميل ، وهو المحبوب وهو محب ، وتجلي سبحاته تورث الإحراق ، فكيف يتعلق به النظر والرؤية ، وهو المحب المحبوب الشفوق ؟ فاعلم أن النظر والرؤية إنما تتعلق بالرب ، قال تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ، فعلق الرؤية بالإحراق ، والإحراق متعلق بالوجه ، وهو قوله في الحديث « لأحرقت سبحات وجهه » ووجه الشيء حقيقته وذاته ، وقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يعني الوجه ، وهو الذات الإلهية معراة عن الأسماء الإلهية ، فلا يتجلى الجميل في الآخرة والجنة لعباده إلا في الاسم الرب « 1 » . ( ذخائر الأعلاق ) السماع والحب : اعلم وفقك اللّه ، أنه كما أن سبب التجلي الحب ، فإنه أصل سبب وجود العالم ، كذلك كان السماع سبب كونه ، وكان سبب بدء حبنا الحق ، سماع كلامه سبحانه ونحن ثابتون في جوهر العماء ، فالكون لم يعلم من الحق إلا كلامه ، وهو الذي سمع فالتذ في سماعه ، فلم يتمكن له إلا أن يكون ، ولهذا السماع مجبول على الحركة والاضطراب والنقلة في السامعين ، لأن السامع عندما سمع قول كُنْ * انتقل وتحرك من حال العدم إلى حال الوجود ، فتكوّن ، فمن هنا أصل حركة أهل السماع ، وهم أصحاب وجد ، ولا يلزم فيمن ؟ فإن الوجد لذاته يقتضي ما يقتضي ، والوجد عند القوم لا بد لصاحبه من فائدة يأتي بها ، فإن جاء بغير فائدة ولا مزيد علم فذلك نوم القلب من حيث لا يشعر ، فإن الذي يأتيه في تلك الفجأة إنما يأتيه من اللّه ، ليفيده علما بما ليس عنده ، مما تشرف به نفسه وتكمل ، وتربى على غيرها من النفوس ، ولهذا لا يكون الوجد شاهد صدق إلا على نفسه أنه وجد خاصة ، لا أنه وجد من اللّه ، ولهذا من شرط أهل اللّه في السماع المقيد بالنغم ، أن يكونوا على قلب واحد ، وأن لا يكون فيهم من ليس من جنسهم ، فلا يحضرون إلا مع الأمثال ، أو مع
--> ( 1 ) من وجه آخر أقول أنا محمود الغراب : إنه لما كانت الآخرة موطن تجلي الحقائق على ما هي عليه ، وقد ثبت أنه تعالى هو المحب المحبوب ، وأن حقيقة الحب راجعة إلى اللّه تعالى ، وتظهر في الآخرة حقيقة كنت سمعه وبصره على ما هي عليه ، فهو تعالى السمع والبصر ، فهو الناظر والمتجلي ، فلا تحرق سبحات وجهه في الآخرة الناظر إليه ، فإن حقيقة البصر هناك راجعة إليه كشفا وتحقيقا .